محمد أبو زهرة
1140
زهرة التفاسير
طلبها ، فما يعاقب عليه هو الإسراف والإفحاش ، وأن ينسى بها ربه وحقه فيها ، حتى تلهيه عن ذكر اللّه ، وعن حق اللّه . وأيضا ففيه إشارة إلى أن عند اللّه نعيما آخر أعلى وأعظم ، وهو ما بينه بقوله تعالى : قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ يكلفه جل شأنه أن يوجه إليهم ذلك السؤال لينبههم إلى عظيم شأن ما ادخره لهم سبحانه من نعيم مقيم إن أحسنوا ، فالاستفهام للتنبيه ؛ وقد حوى من طرق التنبيه ثلاثة : أولها : التعبير ب أَ أُنَبِّئُكُمْ ؛ لأن الإنباء معناه الخبر العظيم الخطير الشأن ، وثانيها : التعبير ب ذلِكُمْ بالإشارة للبعيد للدلالة على عظيم شأن ما سيخبرهم به ، وبالتعبير ب « كم » كأنه يدعوهم جميعا ليستمعوا إلى ما سيخبرهم به ، وثالثها : التعبير ب « خير » الدالة على الأفضلية ، وأن نعيم الجنة خير لا شر فيه قط ، وأن نعيم الدنيا لا يخلو من شر . وبعد أن كان الاستفهام الذي سيق للتنبيه كان الجواب هو : لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ هذه متع الآخرة ، وهي أعلى مقاما ، وأعظم مكانا من نعيم الدنيا ، وهي أربعة : أولها : جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، وفي هذه الجنات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . وثانيها : الخلود ، وهو نعمة وحده ، فكل ما في الدنيا عرض زائل يعروه الفناء ، وما في الآخرة دائم البقاء . وثالثها : وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ لا دنس فيها ، ولا ما يشينهن أو يوجد الريب ، فلا معكر من شر أو ما يشبهه . ورابعها : وهو أعظمها بل أعظم ما في الوجود ، وهو وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أي رضا عظيم من خالق الخلق ، ومبدع الكون ومنشئ الوجود ، فالرضوان مصدر